تأميم قناه السويس : الأسطورة والدرس‏!‏ طباعة
مقالات - الرأي الحر
نشرها :مركز (صبر-SBR) للإعلام والدراسات   
الجمعة, 27 يوليو 2012 17:03

وحدة دراسات الثورة المصرية

خمسة و خمسون عاما مضت علي القرار المصري التاريخي بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس‏,‏ وهو القرار الذي أحدث دويا هائلا ليس فقط علي الصعيدين المصري والعربي بل أيضا علي الصعيد العالمي‏.‏ البعض ممن هالتهم تداعيات هذا القرار‏,‏ وبالذات

 

العدوان الثلاثي البريطاني‏,‏ الفرنسي‏-‏ الإسرائيلي الذي اتخذ من هذا القرار ذريعة لضرب مصر‏,‏ انتقدوه من منطلق أن مصر كانت سوف تستعيد القناة بعد أعوام عدة وبالتحديد عام‏1968‏ وفقا لاتفاقيات خاصة بذلك‏,‏ ولكن هؤلاء فاتتهم حقائق كثيرة‏:‏

أولاها‏,‏ أن قرار التأميم لم يكن مجرد رد فعل للإهانة التي تلقتها مصر برفض البنك الدولي تمويل مشروع السد العالي الذي كان يعتبر مشروع حياة أو موت في ذلك الوقت‏,‏ ولكنه قبل هذا كله كان تعبيرا عن جوهر مشروع الثورة من أجل النهضة المصرية

وبالذات السيطرة علي مصادر الثروة الوطنية لإعلاء شأن امتلاك مصر لحريتها الوطنية إذ لا معني لحرية الوطن دون امتلاك ثرواته‏.‏ وفات هؤلاء أيضا أن بريطانيا لم تكن تنوي من الناحية العملية تسليم مصر مقاليد القناة بدليل المخططات التي تكشفت بشأن

تطوير القناة‏,‏ ولعل في استمرار سيطرة بريطانيا علي مضيق جبل طارق برغم وجود اتفاقية دولية لتسليمه دليلا دامغا علي أكذوبة إمكان حصول مصر علي القناة بحلول أجل اتفاقية التسليم‏.‏

لكن الأهم من هذا كله أن قرار التأميم كان إعلانا للوجه الحقيقي الثوري ليس فقط لشخص الزعيم جمال عبد الناصر ولكن لثورة مصر ودورها العالمي في قيادة حركة التحرر الوطني‏.‏ لقد جاءت الثورة لتحرير الشعب المصري من مظالم الاستعمار البريطاني

ومساوئ العهد الملكي‏,‏ لكنها وجدت نفسها مدعوة لقيادة حركة التحرر العربي والعالمي‏,‏ وأن هذه الثورة التي تفجرت في مصر مطالبة بدعم حركة التحرر العالمي من الاستعمار‏.‏

لقد كان قرار التأميم ذريعة لعدوان كانت تدبره إسرائيل‏,‏ وكانت تريده بريطانيا وفرنسا‏,‏ ولكن هزيمة العدو وانسحاب المعتدين وتعاطف العالم مع الشعب المصري كان انتصارا للحرية في كل مكان‏,‏ وكان هزيمة وسقوطا للإمبراطورية البريطانية

والإمبراطورية الفرنسية وإيذانا بعهد جديد في العلاقات الدولية ضمن نظام دولي ثنائي القطبية تقوده الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي‏.‏ لقد كان قرار تأميم قناة السويس أسطورة بل ملحمة وطنية مصرية وملحمة عربية بل ملحمة عالمية أصداؤها تتردد

الآن في مناطق متفرقة من العالم وعلي الأخص في أمريكا اللاتينية‏,‏ وهي ملحمة تؤكد قيمة إرادة الإنسان وقدرته علي أن يصنع عزته وكرامته ويصونها مادام مؤمنا بالوطن الذي يدافع عنه ومؤمنا بدوره ورايته معليا من ثمن الحرية والعدالة مقاتلا ضد

الظلم والقهر والاستعلاء

لاعتبارات عدة‏,‏ ربما يمكن القول إن قرار تأميم شركة قناة السويس الذي أعلنه الرئيس جمال عبد الناصر في‏26‏ يوليو‏1956‏ كان محصلة لشبكة من التفاعلات تداخل فيها ما هو داخلي مع ما هو إقليمي ودولي‏.‏ فقد بدأت ملحمة التأميم مع اتجاه القيادة

السياسية في مصر‏,‏ بعد ثورة‏23‏ يوليو‏1952,‏ لوضع قضية التنمية علي رأس اهتماماتها وفي مقدمة جدول أعمالها‏,‏ باعتبارها أساس بناء الدولة والتخلص من إرث الاستعمار والتبعية للغرب‏.‏

وكان مشروع بناء السد العالي أحد أهم تلك المشروعات التنموية التي حظيت باهتمام الدولة‏,‏ لكن بقيت مشكلة تمويل المشروع هي العائق الأساسي أمام تنفيذه‏.‏ وتطلعت مصر إلي الغرب ليساعدها في تمويل المشروع‏,‏ بيد أن الآمال التي أيقظتها

وعود الغرب بإمكان المساعدة في تمويل المشروع سرعان ما باغتها التباين في التعاطي مع القضايا الإقليمية والدولية بين مصر‏,‏ بعد الثورة‏,‏ والغرب‏.‏ هذه الخلافات بدأت مع رفض مصر الدخول في الحلف الدفاعي الذي اقترحته بريطانيا والذي يضم كلا

من بريطانيا والعراق تركيا وباكستان بالإضافة إلي الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ ولما كان العراق عضوا في جامعة الدول العربية فإن ذلك يعرض الجامعة لعدم الحياد ويورط دولا عربية في نزاعات حلف الأطلنطي‏.‏ كما أن انضمام العراق إلي الحلف من شأنه

إعادة تثبيت أقدام بريطانيا مرة أخري في الوطن العربي بعد فقدانها حيزا مهما من وجودها عقب توقيع اتفاقية الجلاء عن مصر عام‏.1954‏

وبعد أربعة أيام فقط من توقيع العراق وتركيا علي المعاهدة الرسمية المسماة بـ‏'‏حلف بغداد‏'‏ في‏24‏ فبراير‏1955,‏ والتي انضمت إليها بريطانيا وباكستان وإيران في أبريل من العام نفسه‏,‏ بدأت أزمة جديدة في العلاقات بين مصر والغرب‏,‏ أشعلها

الهجوم الإسرائيلي علي مواقع الجيش المصري في قطاع غزة‏.‏

في هذه اللحظة بالتحديد‏,‏ بدأت علاقة مصر بالغرب تأخذ منحني آخر‏,‏ فقبل ذلك كان لدي مصر اعتبارات عدة تبرر الأمل في إقامة علاقة ودية مع الغرب‏,‏ أهمها المرونة التي أبدتها إدارة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور إزاء قضية الصراع العربي‏-‏

الإسرائيلي والعلاقات مع مصر‏,‏ والتي توجت بتوقيع اتفاقية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية في عام‏1954‏ تقضي بتزويد مصر بمعونة اقتصادية قدرها‏40‏ مليون دولار‏.‏

لكن الهجوم الإسرائيلي علي غزة‏,‏ إلي جانب حلف بغداد‏,‏ اعتبرته مصر جزءا من مؤامرة إمبريالية يدبرها الغرب للقضاء علي الثورة والسيطرة علي الوطن العربي مرة أخري‏,‏ وتمثل ردها علي ذلك في قرارين‏:‏ الأول‏,‏ الاتجاه نحو شراء سلاح لردع

إسرائيل عن شن أي هجمات جديدة‏.‏ والثاني‏,‏ تعزيز ترتيبات الأمن داخل الجامعة العربية من خلال إبرام سلسلة من المعاهدات الدفاعية مع الدول العربية الحليفة كسبيل لمواجهة حلف بغداد‏.‏ كان من الطبيعي أن تثير صفقة الأسلحة السوفيتية قلق الولايات

المتحدة وبريطانيا وإسرائيل التي أعلن رئيس وزرائها بن جوريون أن الصفقة‏'‏ أبرمت لسبب واحد هو تدمير إسرائيل‏'.‏ المثير للانتباه في هذا السياق أن اتجاه مصر لشراء أسلحة من الكتلة الشيوعية أفرز رد فعل عكسيا من جانب الغرب علي خلفية

اقتناعه بأن هذه الصفقة ما هي إلا مقدمة لتثبيت أقدام الاتحاد السوفيتي في منطقة الشرق الأوسط مما يعني خصما من نفوذ الغرب في المنطقة‏,‏ ومن ثم بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا في تعديل مواقفهما من مصر وهو ما انعكس في موافقتهما المبدئية

علي المساهمة مع البنك الدولي في تمويل مشروع السد العالي‏.‏ بيد أن هذه الخطوة سرعان ما بددها عدد من ا
لتطورات الإقليمية أهمها اتجاه الأردن‏,‏ بدعم بريطاني‏,‏ إلي الانضمام إلي حلف بغداد‏,‏ وهو ما دفع الرئيس عبد الناصر‏,‏ عبر إذاعة صوت العرب‏,‏ إلي شن هجوم عنيف علي عملاء بريطانيا في الأردن‏,‏ وانتهي الأمر بإبعاد الجنرال جلوب قائد الفيلق

العربي من الأردن‏,‏ وهو ما كان سببا رئيسيا في تصعيد التوتر بين مصر وبريطانيا التي حملتها مسئولية إبعاد جلوب من الأردن‏.‏

وبحلول أبريل‏1954‏ كانت العلاقات بين الرئيس جمال عبد الناصر من ناحية‏,‏ وكل من أنتوني إيدن رئيس الوزراء البريطاني‏,‏ وجون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكية قد وصلت إلي طريق مسدود‏,‏ حيث اعتبراه تهديدا حقيقيا للمخططات الغربية في

المنطقة‏,‏ وانضم إليهما جي موليه رئيس وزراء فرنسا الذي اتهم الرئيس عبد الناصر بأنه السبب الرئيسي في دعم الثورة الوطنية في الجزائر التي بدأت في نوفمبر‏.1954‏ ولم تكن إسرائيل في حاجة لمبررات جديدة لاستعداء عبد الناصر‏.‏ وإزاء اعتراف مصر

بالصين الشعبية وتبادل السفراء مع بكين في‏16‏ مايو‏1956,‏ ازدادت الأمور اشتعالا بين مصر والغرب وعلي رأسه الولايات المتحدة الأمريكية التي اعتبرت أن هذه الخطوة موجهة إليها في الأساس‏.‏

وقد اعتبر الغرب أن عدم مساعدة مصر في تمويل مشروع السد العالي يمكن أن يمثل ردا مناسبا علي سياسة الرئيس عبد الناصر‏.‏

في هذه اللحظة بدأت فكرة تأميم قناة السويس تراود الرئيس عبد الناصر باعتبارها أحد المصادر التي يمكن أن تمول مشروع السد العالي‏.‏

لقد حاول البعض أن يصور قرار التأميم علي أنه قرار انفعالي جاء ردا علي رفض تمويل مشروع السد العالي‏,‏ لكن الواقع غير ذلك تماما‏.‏ فقد شغل عبد الناصر بهذا القرار مبكرا لهذه الاعتبارات في مجملها‏,‏ وبشيء من الاطمئنان‏,‏ يمكن القول إن قرار

الرئيس عبد الناصر في‏26‏ يوليو‏1956‏ بتأميم شركة قناة السويس كان محصلة لسياسة الغرب ضد مصر منذ نجاح الثورة في‏23‏ يوليو‏1952,‏ وتجسيدا لأهداف وطموحات هذه الثورة في السيطرة علي الموارد الوطنية‏.‏